ما أهمية مشروع نظام تصدير الغاز الطبيعي الروسي الكبير ولماذا الجدل في تنفيذ "نوردستريم2"

تم التحديث: 12 يناير 2020


عبر أسابيع قليلة مهمة، تم وصول أحد أكثر المشاريع للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أهمية وطموحاً – وهي نظام تصدير الغاز الطبيعي من روسيا لمواكبة الواقع الجيوسياسي الجديد بدلا عن واقع فترة الحرب الباردة القديم – لوضعه النهائي. ومن المتوقع استمراره دون أية تغييرات كبيرة حتى بلوغ المسار الروسي إلى قمة أكبر مصدري الطاقة حول العالم. وتتضمن اللمسات الأخيرة على المشروع الضخم ، الذي تم بدء العمل فيه منذ 2001 عند بناء خط أنابيب «بلو ستريم» إلى دولة تركيا، تشييد خط آخر للأنابيب يحمل مسمى «باور أوف سيبيريا» إلى دولة الصين في2 ديسمبر/ كانون الأول. وكانت قد فرضت الولايات المتحدة الأسبوع الفائت عقوبات على خط أنابيب «نورد ستريم 2» المتوجه نحو ألمانيا، مع اتفاق جديد لنقل الغاز الطبيعي نحو أوكرانيا، وتفعيل خط أنابيب «تورك ستريم»، الذي من المقرر له الانطلاق في شهر يناير/ كانون الثاني من العام القادم. وقد ساعدت ظروف السوق العالمية في صياغة نظام تصدير الغاز الطبيعي الروسي الجديد، بحيث أنه يجعل من روسيا بعد بوتين قادرة على المحافظة على حصتها الكبيرة في سوق الطاقة الدولية مع استعمالها كأساس متين لعقد الصفقات التجارية المفيدة.


وكانت روسيا قد نالت إرث تعاقدات توريد الغاز الطبيعي لأوروبا عن الاتحاد السوفياتي سابقا، وهذا يغد أحد أكبر مصادر العملة الصعبة بالنسبة لاقتصاد روسيا المتهالك إبان الحقبة السوفياتية. إلا أن خطوط الأنابيب السوفياتية كانت تشق طريقها عبر الأراضي الأوكرانية وروسيا البيضاء، اللتين كانتا قسما من الإمبراطورية السوفياتية القديمة، ثم تحولتا بعد ذلك إلى جمهوريتين مستقلتين وذاتيتي السيادة، وتطالبان بالرسوم في حال عبور الغاز الطبيعي وبإمدادات طاقة منخفضة الأسعار بمقابل الخفاظ على إمدادات الطاقة الروسية إتجاه أوروبا، أو بشكل آخر، نحو الجانب الشيوعي السابق منها، إذ كان كل ما ما يأتي من روسيا ليس مرغوبا فيه على الإطلاق آنذاك. بذات الوقت، شكل توريد الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى وأذربيجان تهديداً تنافسياً؛ حيث كان من اليسير نسبياً نقل الغاز الطبيعي إلى تركيا، مما يؤدي لتوصيله مرة أخرى إلى أوروبا. وفي بداية القرن العشرين، وقتما اهتم فلاديمير بوتين ومستشاروه بفكرة وصول روسيا لتحتل قوة عظمى في مجال الطاقة، بات من الواضح لخبراء الاستراتيجية في الكرملين بأنهم بحاجة ماسة إلى اعتماد مرونة أكثر لزيادة الإمدادات والحصول على نفوذ اقتصادي أكبر على بلدان الجوار في كل من أوروبا وآسيا. وكان خط الأنابيب «بلو ستريم»، الذي يمر من خلال قاع البحر الأسود حتى ميناء سامسون التركي والذي جرى افتتاحه عام 2003، بمثابة خطوة افتتاحية أولى في لعبة الغاز الطبيعي بالنسبة الرئيس بوتين. لكن الطاقة الاستيعابية لخط الأنابيب «بلو ستريم» من الغاز الطبيعي التي تبلغ 16 مليار متر مكعب في العام قد تراجعت من واقع 180 مليار متر مكعب التي كانت ترسلها خطوط الأنابيب السوفياتية إلى أوروبا عن طريق أوكرانيا وروسيا البيضاء. وساهم ذلك روسيا في التنافس في تركيا، ولكن لم يعد ذلك حلاً للمشكلة الأكبر التي تتمثل في اعتماد روسيا على خطوط أنابيب في أوكرانيا وروسيا البيضاء. وتوالى تقلص حصة واردات الغاز الطبيعي القادمة من روسيا إلى أوروبا. وفي العام 2011، استطاعت روسيا السيطرة الكاملة على نظام تصدير الغاز الطبيعي في روسيا البيضاء نظير إمدادات الغاز الطبيعي المنخفضة إليها. لكن أوكرانيا حافظت على فرض سيطرتها بقوة على خطوط الانابيب المارة عبر أراضيها، والتي مثلت نصيب الأسد من الطاقة التصديرية الكلية لروسيا .


اعتزم بوتين الوصول المباشر الأكبر إلى غرب أوروبا وجنوبها، وخطط لإمكانية تجاوز عقبة أوكرانيا لأسباب اقتصادية وسياسية . وكان نظام خطوط الأنابيب الأوكراني، يخضع تحت إدارة واحدة من الشركات الوطنية، وتعتريه حالة سيئة للغاية، وتخشى «غازبروم» الشركة الروسية المحتكرة لصادرات الغاز الطبيعي الروسية عبر خطوط الأنابيب، من اضطرارها للاستثمار في صيانة خطوط الأنابيب الأوكرانية وبالتالي أن يكون لها نفوذ كبير على إدارتها وتشغيلها. وفي ذات الوقت، أراد فلاديمير بوتين التأثير على حكومة أوكرانيا للحفاظ عليها ضمن المدار الروسي. لذا قطعت موسكو إمدادات الغاز الطبيعي عن أوكرانيا مرتين في الأعوام الأولى من القرن العشرين في محاولة لتركيعها، ولكن في غياب وسائل التصدير البديلة لم تسفر هذه الطرق عن نتيجة تذكر. وفي العام 2012، اتخذت روسيا خطوة أساسية أخرى عبر افتتاح خط أنابيب «نورد ستريم»، الممتد عبر قاع البحر الأسود وحتى الشمال الألماني، مع طاقة استيعابية وصلت إلى 55 مليار متر مكعب في العام، الأمر الذي قام بتعزيز نصيب روسيا في واردات الغاز الطبيعي نحو أوروبا. حينها، كانت روسيا تنوي بناء خط أنابيب كبير يصل لجنوب أوروبا، تحت مسمى «ساوث ستريم»، يمر من خلال البحر الأسود إلى بلغاريا. ومن هناك بالإمكان تمديد الخط فرعيا لتصدير الغاز إلى اليونان، إيطاليا، ثم صربيا، وإلى وسط أوروبا. وكان ضم شبه جزيرة القرم لروسيا عام 2014 قد أثار ضرورة إعادة رسم خريطة الغاز الطبيعي المصدر من روسيا؛ حيث لم تعد أوكرانيا – حسب الأوضاع الجديدة – عبارة عن شريك مثير للإزعاج فقط ، إنما تحولت إلى خصم مباشر. ومن جانبه، عرقل الاتحاد الأوروبي أواخر عام 2014 بناء خط أنابيب «ساوث ستريم». كذلك باتت خطط توسيع خط الأنابيب «نورد ستريم» عبر إلحاق خطين متوازيين من الأنابيب فيما عرف بخط «نورد ستريم 2»، أكثر رفضاً من قبل الولايات المتحدة لهذا المشروع والذي كان يعززه رغبة أمريكا الحقيقية في توصيل الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى أوروبا.

0 تعليق

  تابعوا منصاتنا على جميع وسائل التواصل الاجتماعي لتبقوا على اطلاع بكل جديد

  • Twitter
  • Facebook Social Icon
  • LinkedIn Social Icon
  • oilgastoday telegram
  • YouTube

© 2020 oilgastoday.com All Rights Reserved Oil Gas Today